لن اعترف /بقلم احمد عيسى
لن أعترف
بقلم/ أحمد عيسى
كانوا صُحبةً في الله متحابين، تُفرِّقهم شؤون الدنيا، وتجمعهم المساجد والصلوات، يلتقون في صلاتين لا يتخلفون عنهما: صلاة الفجر، وصلاة العشاء.
وفي أيام الإجازات يتلاقون مُستهل كل نداء، بُعضهم يذهب قبل الصدع بالأذان، وبعضهم عند الجَهر به، وآخرون يتوافدون تِباعاً، منهم من يُدرك السُّنة القَبلية، ومنهم من يحظى بالنافلة البَعدية، لكنهم جميعاً يفوزون بالتكبيرة الأولى والإحرام.
ومع اجتياح فيروس كورونا جنبات العالم، احتاطت السُّلُطات، يؤيدها الفقهاء، في الحفاظ على الأرواح والأنفس والمُهج، فأُغلِقت الجوامع والمساجد، وأُقفِلت الأديرة والكنائس، ونادى المؤذنون: "ألا صلوا في بيوتكم.. ألا صلوا في رحالكم"!
أثَّرت الكلمات الجديدات لهذا الأذان في قلوب هؤلاء الأصحاب، فدَمِعَت لوقعها منهم مآقٍ وعيون، وانتحبت لجرسها قلوب وصدور، وطارت إلى المساجد أفئدة تتفقد أبوابها، تتحسس وقع النداء، وحقيقة البلاء؛ فإذا بالمساجد حقاً قد أُوصدتْ، أقفرتْ مِن مُصلٍّ وذاكر، وخَلَتْ من قائمٍ وراكع، وفَرَغَتْ من عابدٍ وساجد، وأقْحَلتْ من تالٍ وقارئ.
بحث هؤلاء الأصدقاء عن مسجد في الصلوات يأويهم، أو جامع في الجُمُعات يوعظهم ويبكيهم، فلم يجدوا بيتاً من بيوت الله ظلَّ عامراً، فهذه المساجد والمصليات وكل زاوية قد أَغْلَقَتْ أمام الرواد أبوابها؛ فضاقت عليهم الأرض بما رحبت!
نام "سعيد"، أحد هؤلاء المحافظين على الصلوات، مؤرقاً حزيناً يأمل في فرج قريب، تعود فيه الأمور إلى طبيعتها، ويفرح الناس فيه برحمة الله ولطفه؛ فإذا به يرى أصدقاءه قد ألفَوْا مسجداً لا تلحظه النواظر، ولا تكاد ترمقه العيون، يصعب الوصول إليه دون سابق ارتياد، أو تَجْربةٍ بذَهابٍ واعتياد.
لكنَّ أزمة كورونا قد اشتدت، وتفاقمت معها خسائر الإصابات والوَفَيات، ومنعت الحكومات - مُضطرة - أماكنَ الازدحام والتُّجمعات، وتصاعدت وتيرة اللوائح والتحذيرات، واحتدَّت لهجات القرارات لمنع الصلوات في الجَمَاعات والجُمُعات!
ظلَّ "سعيد" وأصدقاؤه يغشون المسجد الجديد؛ لا كسراً للوائح، ولا مخالفة لقانون، ولا غفلة عن جواز الصلاة في الدور والمحالّ والبيوت؛ لكنه العشق حين يغمر النفْس، والحب حين يُفعم القلْب، والسكينة حين يزخر بها شغاف الفؤاد واللُّب.
وذات ليلةٍ اشتم بعض جيران المسجد خبر الصلاة فيه، فعزم أحدهم أن يبلِّغ عن إدارة المسجد والمصلين، قاصداً ببلاغه هذا ذَبَّ الجائحة عن نفسه وبَنِيه، وإبعاد شبح الفيروس عن مسكنه وبيته وذويه.
نوى هذا الواشي أن يُقوِّمَ بالشكوى انحراف هؤلاء المصلين الذين هم في ناظريه: ضيقو العَقْل، ضئيلو العِلْم، محدودو الفِقْه، قليلو الفَهْم، وكيما يحقق بشكواه واجباً وطنياً تمور به حناياه، وتزداد به تقواه!
وعقب صلاة الفجر، انصرف العابدون، وكانوا زُهاء تسعة مصلين، على حين بقي "سعيد" يُكمل أوراده، ويُتم أذكاره.
وحين أوشك "سعيد" على الانتهاء من أذكار الصباح، منتظراً شروق الشمس ليصلي ركعتين قبل منصرفه إلى البيت؛ إذا بدورية شرطة تقتحم عليه خَلْوته، فبددت أمنه فَزَعاً، وسكينته هَلَعاً، وانشراحه حزناً، ثم اصطحبته معها إلى تحقيق مُطوَّل بقسم الشرطة..
المحقق: قاومتَ اللوائح وخالفتَ القوانين.. أأنت أكثر علماً من الفقهاء والمختصين؟
سعيد: إطلاقاً.. قد رأيتَ المسجدَ ورَحَابته أهو يضيق بنحو عشرة مصلين أو عشرين؟
المحقق: هي قرارات للتنفيذ والعمل.. لا للحوار والجدل.
سعيد: مهلاً سيدي، لكل شيء أخذ وردّ.. ظهر وقلب.
المحقق: دعك من ردٍّ من الفائدة عديم.. وجدلٍ هزيلٍ ممقوت عَقيم.
سعيد: ألم تذهب إلى "سُوقٍ" أو رَكِبْتَ "مترو" أو مررتَ ذات مرةٍ بـ"بنك"؟
المحقق: هذه ضرورات مُستثناة من القرارات قد أَبَاحَت كل ما قلتَ وذَكَرَت.
سعيد: القانون ليس فقط لوائح وموادّ وبنود، أين الروح والرحمة.. أين الرفق واللين؟
المحقق: قد راعى القانون حِفظ الجسد والنفس.. وصانَ الروح والعقل.. والمال والنسل.
سعيد: ودِدْتُ لو شَمِلتْ حملاتُ التطهير والتعقيم المساجدَ والجوامعَ.. والكنائسَ والصوامِع!
المحقق: نعُود لقضيتنا.. أريد أسماء الذين كانوا يصلون في جماعةٍ معك؟
سعيد: المسجد يؤمه البر والفاجر، ويغشاه المجاور والعابر، فأنَّى أخبرك؟
المحقق: البلاغ يفيد بوجود عددٍ من المصلين نحو عشرة أو لعلهم يزيدون.
لا تراوغ أو تتهرب وإلا ستُوقف وتُضْرَب إن لم تُجب وتُقر وتعترف وتتكلم.
سعيد: حياتي كقُوتِي بيدي خالقي.. فاقضِ ما أنت قاضٍ يا سيدي.
المحقق: أجب عن سؤالي حتى لا آمر الآن بحبسك وفيما بعدُ باعتقالك.
سعيد: لم أرتكب ذنباً.. وإثماً لم أقترف.. فكيف أُقر بشيء أو أعترف؟
المحقق (يتلقى مكالمة وتعميماً): معكم يا معالي الباشا أسمعكم جيداً.
المتصل: توجيه رئاسي وتعميم وزاري بتأمين الاستاد والملاعب، والحدائق والساحات؛ استعداداً لصلاة جامعة لرفع البلاء ودفع الوباء.
سعيد (وقد أفاق من نومه مستبشراً):
الحمد لله الذي أشرقت بنور وجهه الظُّلمات.. وعمَّت آلاؤه الأرضَ والسموات!!
تعليقات
إرسال تعليق